فخر الدين الرازي
153
القضاء والقدر
وأما قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ . وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى فنقول : الفعل دل على امتناع وقوع الأثر الواحد بمؤثرين ، فوجب أن يحمل أحد الجانبين على المجاز ثم إن الرمي يذكر ويراد به الإضافة . يقال : رمية من غير رامي . فكان التقدير : وما رميت عن علم ومعرفة وجزم بحصول المقصود . ولكن اللّه رمى ، أي ولكن اللّه أوصله إلى المقصود . وأما قوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ فالسؤال عليه ما تقدم في قوله : أَضْحَكَ وَأَبْكى فإنه إذا قيل أخرج الأمير فلانا من البلد ، لم يفهم منه البتة : أنه فعل منه ماهية الخروج ، بل السابق إلى الافهام : أنه كلفه بالخروج وألجأه إليه . سلمنا : أنه يقتضي نفس الخروج ، ولكنه لا يقتضي إلا مرة واحدة . فلم يتناول محل النزاع : والجواب : إن جميع الوجوه التي ذكرتموها عدول عن الحقيقة إلى المجاز . وذلك خلاف الظاهر . وليس لهم أن يقولوا : دلت الدلائل العقلية على فساد القول بأن اللّه تعالى موجد لأفعال العباد ، فلا جرم حملنا هذه الآيات على مجازاتها . لأنا نقول : قد سبقت دلائلنا العقلية ، بحيث بلغت في القوة إلى قلع الجبال ، وهدم السماوات . الحجة الرابعة : قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 1 » وقوله : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ « 2 » ولا نزاع أنه تعالى أراد الإيمان . أما عندكم فمن الكل . وأما عندنا فمن المؤمن . فوجب أن يكون هو الفاعل لإيمانه ، بحكم هذا النص . وإذا ثبت هذا ، ثبت أنه هو الفاعل للكفر . ضرورة أنه لا قائل بالفرق . فإن قيل : المراد أنه « فعال لما يريد » فعله . فلم قلتم : إنه تعالى يريد أن يفعل فعل العبد ، فإن ذلك أول المسألة ؟ قلنا : قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يتناول كل ما يريد وجوده ، وما ذكرتموه يفيد . خلاف الظاهر . الحجة الخامسة : قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ ، إِذا أَرَدْناهُ . أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ « 3 » وقد أراد اللّه الإيمان ، فوجب أن يتكون ذلك الإيمان بقوله : كُنْ فَيَكُونُ وذلك عبارة عن تكوين اللّه إياه . فدل هذا النص : على أن إيمان العبد ، وجميع طاعاته ، حصل بتكوين اللّه وإيجاده . الحجة السادسة : قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا « 4 » وذلك لأن قوله : أَغْفَلْنا على وزن قوله : أحيينا وأمتنا . فكما أن هذا يفيد خلق الحياة ، فكذا قوله : أَغْفَلْنا وجب أن يفيد خلق الغفلة .
--> ( 1 ) سورة البروج الآية 16 . ( 2 ) سورة الحج الآية 14 . ( 3 ) سورة النحل الآية 40 . ( 4 ) سورة الكهف الآية 28 .